قابس تختنق: الحقيقة المرة وراء التلوث البيئي ونفايات المجمع الكيميائي

التلوث في قابس

في مدينة قابس الواقعة جنوب شرقي تونس، لم يعد البحر أزرق ولا الهواء نقيًا. المدينة التي كانت تُلقب يومًا بـ"جنة الساحل الجنوبي" تحولت اليوم إلى بؤرة تلوث صناعي خانق يهدد حياة أكثر من 400 ألف ساكن. رائحة الكبريت والغازات الكيميائية تملأ الأجواء، والغبار السام يتسلل إلى البيوت والمدارس والمستشفيات.

خلال شهر أكتوبر 2025، شهدت قابس سلسلة من حوادث الاختناق في صفوف التلاميذ بسبب تسربات غازية من وحدات الإنتاج التابعة للمجمع الكيميائي التونسي. حالات الإغماء، وصور الأطفال الذين يتنفسون بصعوبة، أشعلت غضب الأهالي الذين نزلوا إلى الشوارع مطالبين بوقف الكارثة البيئية التي تحاصرهم منذ عقود.

اختناق جماعي يفضح المأساة البيئية

في المدرسة الإعدادية شطّ السلام، يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، عانى نحو 20 تلميذًا من صعوبات تنفس حادة جراء تسرب غازي من إحدى وحدات المجمع الكيميائي القريبة. تم نقل عدد منهم إلى المستشفى، فيما تكررت الحادثة في نفس المؤسسة قبل أسابيع قليلة فقط. هذه الحوادث ليست معزولة؛ بل هي نتيجة تراكمات بيئية خطيرة ناتجة عن أنشطة المجمع منذ أكثر من نصف قرن.

يقول أحد أولياء الأمور بغضب: "لم يعد بإمكاننا حماية أبنائنا حتى داخل المدارس. الهواء ملوث والماء ملوث، والموت يتربص بنا في كل نفس." هذا الصوت يعبر عن حالة عامة من الاختناق الجماعي الذي يعيشه سكان قابس تحت سحابة دائمة من الأدخنة السامة.

احتجاجات الغضب الشعبي: قابس تنتفض

عقب الحادث، خرج أهالي منطقة شاطئ السلام إلى الشوارع، أغلقوا الطرق المؤدية إلى المنطقة الصناعية وأشعلوا العجلات المطاطية. كانت الشعارات المرفوعة صرخة ألم واتهام في آن واحد: "قابس حرة والمجمع على برّة"، "السرطان في كل دار"، "يا حكومة عار.. الوزير بلا قرار".

مع تصاعد الاحتجاجات، تدخلت قوات الأمن لتفريق المحتجين مستخدمة الغاز المسيل للدموع، ما فاقم من حدة الاختناق وأدى إلى حالات إغماء جديدة. بعض المحتجين اقتحموا مقر المجمع الكيميائي، بينما اندلعت أعمال عنف طالت أجزاء من الإدارة الجهوية للمجمع، وتم حرق بعض محتوياتها في ليلة 12 أكتوبر.

قابس... من جنة إلى جحيم بيئي

تأسس المجمع الكيميائي التونسي بقابس سنة 1972 لمعالجة الفوسفات وتحويله إلى أسمدة صناعية بهدف دعم الاقتصاد الوطني. لكن مع مرور الزمن، تحول هذا الصرح الصناعي إلى قنبلة بيئية تنفث سمومها في الهواء والبحر والتربة دون حسيب أو رقيب.

المدينة التي كانت تزخر بالحياة البحرية والثروة السمكية، أصبحت اليوم رمادًا بيئيًا. الشواطئ فقدت بريقها، والبحر امتلأ برواسب الفوسفوجيبس السامة، والأسماك هجرت مياهها الملوثة، فيما ارتفعت نسب الإصابة بأمراض السرطان والرئة والعظام إلى مستويات مفزعة.

الفوسفوجيبس: الجبل الأبيض الذي يقتل بصمت

في قلب الكارثة تقبع مادة الفوسفوجيبس، وهي نفاية ناتجة عن معالجة الفوسفات، تحتوي على عناصر إشعاعية مثل اليورانيوم والراديوم والثوريوم، إضافة إلى معادن ثقيلة كالرصاص والكادميوم. يتم التخلص من هذه المادة يوميًا بكميات ضخمة تُقدّر بآلاف الأطنان تُرمى مباشرة في البحر أو على ضفافه.

هذا التصرّف جعل من خليج قابس أحد أكثر المناطق تلوثًا في البحر الأبيض المتوسط. مياه البحر فقدت قدرتها الطبيعية على التجدد، والكائنات البحرية ماتت أو هاجرت، فيما تحولت الرمال إلى مزيج من الفوسفور والرماد الكيميائي.

الأمراض تتكاثر... والناس تختنق

وفقًا لدراسات أجرتها مختبرات أوروبية، فإن هواء قابس يحتوي على نسب مرتفعة من ثاني أكسيد الكبريت وغازات أخرى تسبب أمراضًا تنفسية وجلدية خطيرة. وأثبتت دراسة من مختبر Geosciences Environnement Toulouse الفرنسي أن مصنع قابس يطلق "مستويات عالية من الملوثات السامة" تسبب تشوهات في القلب والكبد والكلى، وتؤدي إلى أمراض سرطانية متعددة.

أحد الأطباء المحليين يؤكد: "نرصد يوميًا حالات جديدة لأمراض السرطان والرئة، والأدهى أن معدلات الإصابة بين الأطفال في ارتفاع متواصل. هذه المدينة تموت ببطء."

الاقتصاد مقابل الحياة

من الناحية التحليلية، تعكس أزمة قابس صراعًا كلاسيكيًا بين التنمية والبيئة. فالدولة ترى في صناعة الفوسفات موردًا استراتيجيًا يدرّ عملة صعبة ويغذي الاقتصاد الوطني، بينما يرى السكان أن ما يُسمى "مكسبًا اقتصاديًا" هو في الحقيقة كارثة بشرية وبيئية متواصلة.

المشكلة ليست في وجود الصناعة، بل في غياب الرقابة البيئية وغياب الإرادة السياسية لتطبيق القوانين. المجمع الكيميائي، الذي يدرّ أرباحًا بالمليارات، لم يستثمر في تقنيات الحد من الانبعاثات، بل واصل نشاطه رغم التحذيرات العلمية المتكررة.

أصوات المجتمع: الغضب والخذلان

الشارع القابسي يغلي. فبعد عشرات الوعود الحكومية بإغلاق الوحدات الملوثة منذ عام 2017، لم يُنفذ أي قرار فعلي. يقول أحد النشطاء البيئيين: "لقد سئمنا من اللجان والتقارير. نريد قرارًا واحدًا: إيقاف هذا الموت البطيء."

سيدة من سكان شطّ السلام تقول بحرقة: "قابس لم تعد مدينة للحياة، بل مقبرة مفتوحة. أطفالنا ينامون على روائح الكبريت ويستيقظون على الاختناق. لم نعد نريد تنمية تقتلنا."

هذه الأصوات تعكس حجم اليأس والخذلان من سياسات الدولة التي تضع الأرباح فوق الإنسان، وتتعامل مع الجنوب التونسي كمنطقة تضحية بيئية.

ردّ الحكومة: الوعود تتجدد... والنتائج غائبة

عقب الأحداث، عقد الرئيس قيس سعيّد اجتماعًا عاجلًا مع وزيري البيئة والطاقة، ودعا إلى إصلاح وحدات الحامض الفسفوري واتخاذ إجراءات فورية لتخفيف الانبعاثات. لكن على أرض الواقع، لا شيء تغيّر. الغازات ما زالت تتصاعد، والفوسفوجيبس ما زال يُرمى في البحر.

الأهالي يرون في هذه الخطوات مجرد "مسكنات إعلامية"، لا تعالج أصل المشكلة. يقول أحد الأساتذة الجامعيين في علم البيئة: "ما لم يُتخذ قرار بإغلاق الوحدات الملوثة نهائيًا وتعويض المتضررين، فإن الحديث عن التنمية المستدامة يظل مجرد شعار."

 بين اللامبالاة والكارثة

من وجهة نظري، ما يحدث في قابس ليس مجرد إهمال إداري، بل جريمة بيئية متكاملة الأركان. نحن أمام نموذج صارخ لكيفية تعامل الدول النامية مع الثروات الطبيعية بمنطق الاستغلال القصير المدى، دون أي حساب للأثر البعيد على الإنسان والطبيعة.

الأخطر أن الكارثة أصبحت عادية. الناس يتنفسون السموم يوميًا، ومع ذلك يستمر المصنع في العمل وكأن شيئًا لم يحدث. غابت المساءلة، وغابت العدالة البيئية، وأصبح الصمت نوعًا من التواطؤ غير المعلن.

قابس وحقها في الحياة النظيفة

يطالب نشطاء البيئة والمجتمع المدني بتطبيق ما يُعرف بـالعدالة البيئية، أي أن لا تكون منطقة معينة ضحية للتلوث فقط لأنها فقيرة أو بعيدة عن العاصمة. فالدستور التونسي يضمن لكل مواطن الحق في بيئة سليمة، لكن الواقع في قابس يقول عكس ذلك تمامًا.

يرى البعض أن الحل لا يكون في الغلق الفوري للمجمع، بل في تحويله إلى صناعة نظيفة عبر استثمار حقيقي في التكنولوجيا البيئية، واستبدال العمليات الكيميائية القديمة بتقنيات حديثة للمعالجة وإعادة التدوير. غير أن ذلك يتطلب تمويلًا ضخمًا وإرادة سياسية حقيقية.

المجتمع المدني: مقاومة التلوث بالكلمة والفعل

منظمات بيئية مثل جمعية حماية خليج قابس والمبادرة المحلية من أجل بيئة سليمة تقود حملات توعية ومتابعة قضائية للمطالبة بإيقاف الأنشطة الملوثة. كما تنظم وقفات احتجاجية وندوات تهدف إلى إبقاء الملف في صدارة الرأي العام.

لكن هذه الجمعيات تواجه صعوبات بسبب نقص التمويل والتضييقات الإدارية، مما يجعل معركتها طويلة وشاقة. ومع ذلك، تظل هذه الأصوات الأمل الأخير لسكان قابس في مواجهة آلة التلوث الصامتة.

نظرة إلى المستقبل: ما بعد الفوسفوجيبس

إن الخروج من هذا الوضع الكارثي يتطلب رؤية استراتيجية جديدة تقوم على فصل المنطقة الصناعية عن المناطق السكنية، وإنشاء مناطق عازلة خضراء، والتوقف الفوري عن تصريف النفايات في البحر. كما يجب العمل على إعادة تأهيل خليج قابس من خلال مشاريع تنظيف بيئية شاملة.

من جهة أخرى، يمكن تحويل المدينة إلى قطب صناعي نظيف يعتمد على الطاقات المتجددة، خصوصًا وأن قابس تملك مؤهلات طبيعية فريدة من شمس ورياح وموقع استراتيجي ساحلي.

 عندما تصبح الحياة ترفًا

مأساة قابس ليست مجرد قضية بيئية، بل اختبار حقيقي لإنسانية الدولة والمجتمع. فحين تُختزل حياة مئات الآلاف في معادلة اقتصادية باردة، يصبح الحق في التنفس ترفًا نادرًا.

إنقاذ قابس لا يحتاج إلى لجان جديدة أو شعارات، بل إلى قرار جريء يعترف بأن الإنسان قبل الفوسفات. كل يوم يمرّ دون حلّ جذري يعني مزيدًا من الضحايا ومزيدًا من فقدان الثقة. فإما أن تختار تونس الحياة، أو تواصل دفن رأسها في رماد الفوسفوجيبس.

قابس اليوم تستغيث... فهل من يسمع؟

تعليقات